نذير حمدان

211

حكمة القرآن والحضارة

الواقع أن يكون كل فرد حكيما موهبة فليس هذا بالمقدور عادة ولكن من الضروري تعويده على الوسطية في الكسب والاختيار والتعامل فهذا من مسئوليته وكسبه واختياره ، وهي تربية معتدلة بعيدة عن التشدد والميوعة والتسيب ، وإذ هو اجتباء واصطفاء فإنه بعيد كل البعد عن اجتباء عنصري واصطفاء عرقي لأنه اجتباء الهداية والإصلاح والتعليم ( النحل 121 ) و ( يوسف 6 ) و ( القلم 50 ) ، وعدّ علماء الأصول الآية قاعدة في صحة ( إجماع ) المسلمين لأنهم عدول ، فقد عدّلوا بقوله ( جعلناكم أمة وسطا ) أي عدولا ، ومقتضى ذلك أنهم عصموا من الخطأ فيما أجمعوا عليه قولا وفعلا « 1 » . يقول ابن الأثير : وأرى أن اللّه تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم من الدين ، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذي غلوا بالترهب وقولهم في عيسى ما قالوا فيه ، ولا هم أهل تقصير فيه ، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب اللّه ، وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم ، وكفروا به ، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه ، فوصفهم اللّه بذلك إذ كان أحب الأمور إلى اللّه أوساطها . وأما التأويل ، فإنه جاء بأن الوسط : العدل وذلك معنى الخيار لأن الخيار من الناس عدولهم « 2 » . . . . وأكّد ابن حجر السبب ذاته لتوسطهم في الدّين فلم يغلوا كغلو النصارى ، ولم يقصروا كتقصير اليهود ، ولكنهم أهل وسط واعتدال « 3 » . ثالثا : الشريعة الوسط : وجعلوا قاعدتهم قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم ( خير الأمور أوساطها ) « 4 » .

--> ( 1 ) فتح الباري 12 / 317 . ( 2 ) جامع الأصول ومرّ أقوال مشابهة عن الطبري وابن حجر . ( 3 ) فتح الباري 8 / 173 . ( 4 ) ضعفه في جامع الأصول بسبب جهالة أحد رواته 1 / 319 ( 101 ) وساق معه روايات أخرى تقوّيه ، منها : خير الأعمال أوساطها ، ولكن السخاوي كما تقدم نقله عن أبي يعلى بسند رجاله ثقات واستشهد على معناه بالآيات القرآنية .